مهارات النجاح

ما هو العطف المُعدي؟ وكيف نستفيد منه في ظل أزمة كورونا؟

محاسن غريزة القطيع:

تلك الغريزة هي التي حفظت البقرة من أنياب الكلب وأنقذتها من الموت، وهي ذاتها التي أنقذت الثِّيران من وحشية الذئاب، وخلَّصت أسراب الغراب من فتك النسور، وهي التي ساعدت الطيور لتحلِّق بعيداً وتلوذ بالفرار. ومن المنافع الأخرى لهذه الغريزة: تهدئة روع الضحية، وإثارة مخاوف المفترس.

أيضاً، تجدي غريزة القطيع نفعاً بالنسبة إلى البشر، فقد أثبت عالم حسابٍ فرنسيٍّ يُدعَى “ماركيز دو كوندورسيت” (Marquis de Condorcet) أنَّ كلَّ شخصٍ ضمن مجموعةٍ يحالفه الحظ بأن يكون على حقٍّ بنسبة 51٪، وبذلك يصبح قرار الحشد ككلٍّ يلامس الحقيقة.

وأكَّد على ذلك عالمٌ اسمه “سير فرانسيس غالتون” (Sir Francis Galton) مُفيداً بأنَّ حدْسَ القطيع أصدق تخميناً للأمور من خبيرٍ بها. يقول جيمس شورويكي (James Surowiecki) في كتابه (The Wisdom of Crowds): “ساندت حكمة الجماعة الكثير ممَّن يرغبون بأن يصبحوا أثرياء، أو بالتعرف على غوَّاصين قد غرقوا في مجاهل البحار، أو بمعرفة السبب وراء تحطم سفينةٍ فضائية. فأن تكون جزءاً من قطيعٍ أو مجموعة، أو أن تكون إنساناً غرائزياً؛ لا يستحق تلك الصفة السيئة والمعاني السلبية المنسوبة له”.

متى تخطئ غريزة القطيع؟

إنَّ اتّباع عقلية القطيع أمرٌ غير مستحسنٍ دوماً، حيث أنَّ حشداً قد يُجمِع على رأي شخصٍ واحد، بغضّ النظر إن كان ذلك الشخص على صوابٍ أم خطأ؛ وقد يتسبَّب سلوك القطيع بدفع جاموسٍ من جرف، وسحق الناس عندما يتدافعون للخروج مذعورين من أحد الأماكن، والتسبب بأحداث عنفٍ جماهيري.

بالتَّأكيد، يلحظ أيُّ شخصٍ يملك متجراً -وخاصَّةً في أزمة الكورونا- تصرُّفات الناس القطيعية والمؤذية؛ بما فيها شراء كمياتٍ هائلةٍ من المناديل الورقية وادخارها. حتَّى وإن كانوا على علمٍ أنَّها سوف تنفد من الأسواق، فهذا ليس سبباً وجيهاً لتصرُّفهم هذا؛ فهم لن يقتاتوا عليها بكلِّ تأكيدٍ.

ومن ناحية ثانية، يمكنك أن تحافظ على نظافتك باستخدام وسائل أخرى، ففي النهاية لن يفيدك شراء كمياتٍ هستيرية من المناديل ابداً؛ بل بخلاف ذلك، سوف تُلحِق الضرر بمن يحتاجها وستحرمه منها.

قيادة القطيع:

درس عالم النفس الأمريكي “سلومون آش” (Solomon Asch) طلَّاب إحدى الجامعات الذين طُلِب منهم بشكلٍ فرديٍّ الحكم على أيٍّ من الخطوط الثلاثة هو الأطول من الخط المستهدف، وقد كان كلُّ طالبٍ منهم محاطاً بسبعة ممثِّلين، ولم يكن لديهم أيُّ علمٍ بأنَّهم ممثِّلُون؛ حيث طُلِب منهم أن يختاروا الإجابة الخاطئة عن عمد، كأن يقولوا أنَّ الخط B أقصر من خط الهدف؛ ومع أنَّ الإجابة الصحيحة كانت واضحةً كوضوح الشمس، فقد وافق ثلث الطلاب على آراء الممثلين الخاطئة.

مجازياً، رمى الممثلون ثلث الطلاب من حافة الجرف؛ كما يحدث في قطيعٍ من الثيران.

في تجربةٍ أخرى، طلب باحثون بريطانيون من بعض المتطوعين التجولَ في بهوٍ دون أن ينبسوا ببنت شفة؛ وبعد ذلك قام الباحثون بإعطاء توجيهاتٍ لقسمٍ منهم، وذلك بغية تحديد المكان الذي يجب أن يسيروا إليه. وقد آل المطاف بـ 95٪ ممَّن طُلِب منهم السير عشوائياً من دون وجهةٍ محدَّدة ليقتفوا أثر هؤلاء.

العطف المُعدي، تسخير غريزة القطيع لخدمتنا:

يمكن أن نسخِّر عقلية القطيع لصالحنا خلال هذه الأوقات العصيبة، حيث تُلحِق العزلة الاجتماعية الضَّرر بنا كما يفعل التدخين، ولكن يمكننا محو تأثيراتها فينا من خلال إعادة توجيه سلوك القطيع من الإفراط في تكديس ورق الحمام إلى “لطف معدٍ”، ويمكننا جعل العزلة المفروضة وقتاً أكثر بهجة. إليك بعض الخطوات لتعزيز العطف المعدي:

  • اتصل بأحد أفراد عائلتك أو أصدقائك واطمئن عليه.
  • إن رأيت شخصاً -وخاصَّةً إن كان وحيداً- في شارعٍ أو حديقة؛ فتبسَّم له وألقِ السَّلام عليه.
  • تواصل مع جيرانك، لكن من بعيد.

في الختام، لعلَّ أعظم ما في الأمر أنَّ هذه الأعمال الخيِّرة تنتشر، وعندما تقوم بها، فإنَّك تخلق عالماً يغمره العطف واللطف، ومن شأنه أن يهوِّن عليك جميع ما تمرُّ به في أوج هذه الظروف.

 

المصدر




Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى